ابن تيمية
109
مجموعة الرسائل والمسائل
يحب المقسطين - إلى قوله - إنما المؤمنون أخوة ) فجعلهم أخوة مع وجود الاقتتال والبغي ، وقال تعالى ( أفنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ؟ ) وقد قال تعالى ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) فهذا الكلام في الأنواع . وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع ( منها ) المظلوم له إن يذكر ظالمه بما فيه إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي . فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " كما قال صلى الله عليه وسلم " لي ( 1 ) الواجد يحل عرضه وعقوبته " وقال وكيع : عرضه شكايته وعقوبته حبسه ، وقال تعالى ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) وقد روى : إنها نزلت في رجل نزل بقوم فلم يقروه . فإذا كان هذا فيمن ظلم بترك قراه الذي تنازع الناس في وجوبه وإن كان الصحيح أنه واجب ، فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذي اتفق المسلمون على استحقاقه إياه ؟ أو يذكر ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير وترك ذلك أفضل . ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم من الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي صلى الله عليه وسلم من تنكج ؟ وقالت : أنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال " أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء " وروي " لا يضع عصاه عن عاتقه " فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب . وكان هذا نصحاً لها - وإن تضمن ذكر عيب الخاطب . وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصي إليه ومن يستشهده ، بل ومن يتحاكم إليه . وأمثال ذلك ، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال أهل الديوان وغيرها ؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة ، الدين النصيحة " قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " .
--> ( 1 ) مماطلته بالحق الذي عليه